‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 8 أبريل 2013

ديمقراطية الشيوخ


مصطلح مركَّب لن تجدوه في قواميس السياسة، ولن تستطيعوا ضبطه وتحريره معرفياً لاستيعاب مضامينه وفهمها وحصرها، لأنه خاضع لمزاج ذوي النفوذ مما يسمون بـ «الشيوخ» أولاً، ولأنه نتيجة حتمية لواقع فرضوه بحكم نفوذهم في دولة ينص دستورها على أن «نظام الحُكم فيها ديمقراطي السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا».
في الوقت نفسه الذي يحظى فيه ذوو النفوذ من شيوخ بصلاحيات واسعة خارج إطار هذا الدستور، وعلى نقيض ما نص عليه. من هنا بدأ الوهم  وتضخم، ليظن الشعب أن هذه الحلقة المفرغة التي يدور فيها منذ خمسين عاماً.. ديمقراطية .

لفهم هذا المصطلح المركَّب، لا بد من تفكيكه ورده لعناصره الأوليه بداية، فالديمقراطية في أبسط تعريفاتها هي شكل من أشكال أنظمة الحكم التي يحكم فيها الشعب نفسه، ويتم فيها التداول السلمي للسلطة. أما الشيوخ، فنكتفي بالقول بأنهم مجموعة من أصحاب النفوذ والحظوة، بحكم انتمائهم الأسري، مع العلم بأن الدستور الذي نحتكم له لم يتضمَّن أي إشارة لهم، ولم يمنحهم أي ميزات.

بناءً على ما سبق، يتضح أن العنصرين، الديمقراطية والشيوخ، يتناقضان، وينفي أحدهما الآخر، فكيف اجتمعا ليكونا هذا المصطلح؟

الحقيقة، أن المفهومين لا يلتقيان، وإن التقيا، فسيشكلان حالة مرضية، كالتي نعيشها في الكويت، حالة لا هي بالديمقراطية ولا هي بالشمولية، حالة  مؤزومة في بنيتها الأساسية، وتشكل هذه الحالة التعريف العملي لمصطلح ديمقراطية الشيوخ وتفسره أيما تفسير، فهو المصطلح الأكثر تعبيراً عن الواقع السياسي المحلي، لأنه يعبّر عن التناقضات في أرض الواقع من جهة، ويشير للاعبين الرئيسيين في الساحة من جهة أخرى، فمن دون أحزاب وبتعيين ثلث أعضاء البرلمان وبانعدام تداول السلطة وبوجود أشخاص يحظون بصلاحيات واسعة خارج إطار الدستور تنتفي الديمقراطية.. ويبقى الشيوخ.

الأربعاء، 13 مارس 2013

المواطن سليمان بوغيث

عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبدء الولايات المتحدة الأميركية حربها على ما سمته «الإرهاب»، تم قتل والقبض على عديد من مقاتلي تنظيم القاعدة في أفغانستان، أحد هؤلاء كان مواطناً أميركياً طالعتنا الصحف والقنوات الفضائية صوره وقد كان الأميركي الوحيد - آنذاك - المنخرط في التنظيم، وفي قتال وطنه الأصلي.
الملفت في قصته، أنه تلقى معاملة مختلفة عن بقية من أُلقي القبض عليهم، فلم يسحب أحد جنسيته، بل تم السعي لإعادة تأهيله، وأظنه مر مروراً عابراً بمعتقل غوانتانامو سيئ الصيت.
تذكرت قصة هذا المقاتل الأميركي، وأنا أتتبع قصة المواطن سليمان بوغيث، الذي جرّد من جنسيته ظلماً، والذي تخلت الدولة عن مسئولياتها تجاهه، ولعلهم وهم يجردونه من جنسيته أرادوا هذا بالضبط، ولم أستطع منع نفسي من المقارنة.. ففي أميركا، الدولة حديثة العهد، والتي لم يتجاوز عمرها المائتي عام، تمثل المُواطنه قيمة عليا، وأحد الأسس التي بنيت عليها الدولة، أما نحن، فأمة عظيمة عريقة، لكنها مشتتة في دويلات حديثة تأسست وبنيت على قيم مختلفة، فهناك المواطنة، وهنا المساكنة، هناك الحقوق، وهنا العقوق، هناك الوطن، وهنا ملك خاص أو ما يشبهه.
لعله من السذاجة أن نتوقع أن تقوم الدولة بمسؤولياتها تجاه بوغيث، الذي أسقطت جنسيته، وهي التي أخفقت تجاه من لايزالون يحملون جنسيتها، ولايزالون قابعين في غوانتاناموا، رغم عدم ثبوت أي تهمة عليهم باعتراف الأميركيين، وأعني هنا فايز الكندري وفوزي العودة اللذين يتعرضان لصنوف من التعذيب في أحضان الحلفاء الأميركان، وهما اللذان أشار أحد وزرائنا السابقين على الأميركيين بقتلهما، كما جاء في أحد وثائق ويكيليكس المسربة.
رغم هذا، فإننا لن نكلّ في الدفاع عما نعتقد بأنه أحد أهم الأسس التي تبنى عليها الدول وتكتسب شرعيتها من خلالها، فأياً يكن ما فعله، وما لم يفعله بوغيث، فإن حقه بالمواطنة لا يسقط، ولا يملك أحد أن يسحب جنسية مواطن ما، فالمُواطنة حق مكتسب وليست منحة.. وبالتالي، فإن حقوق المواطنة توجب على الدولة أن تقوم بحمايته والدفاع عنه، وإن كان ارتكب ما يُتهم به، فواجب الدولة أن تجلبه لتحاكمه في محاكمها، لا أن تتركه طريداً، ثم ترفض تسلمه عندما حانت لها الفرصة في عام 2003، وبالتحديد عندما كان بوغيث في إيران، وعرضت الأخيرة تسليمه للكويت، واليوم وبعد إختطافه تعلن الدولة تخليها عنه، كنتيجه لإسقاطها جنسيته، وهو ما لا تملكه في الأساس.. فمن يقدر على نزع الوطن من أي منا؟
الصورة لـ سليمان بوغيث من الشبكة.
رابط المقال

الأربعاء، 6 مارس 2013

كويتي وتفتخر؟

لسنوات متتالية، نُظم معرض «كويتي وأفتخر». وتحت هذه اللافتة التي تبشر بطموح عال، عُرضت خلال الأعوام الماضية مشاريع الكعك وتصميم الأزياء التي يبدو أنها مدعاة للفخر في هذه الحقبة المستفزة على جميع الصُعد.
 وطوال سنوات تساءلت عن دوافع الداعمين لهذا المشروع وليس القائمون عليه من شباب، هل هو لمساندة المشاريع الصغيرة فقط أم أن هناك مآرب أخرى؟ وهل يدرك هؤلاء أنهم يسيئون للشعار الذي يرفعونه بعرض مشاريع لا ترقى تحت لافتة كبيرة كهذه؟ فالفخر كلمة كبيرة جداً يتوقع المرء معها أن يجد قمراً اصطناعيا مثلاً أو دبابة أو سيارة أو حتى ثلاجة، بما أن أغلب المشاريع لها علاقة بالطعام .
خلال الأيام الماضية عادت الإعلانات بذات الشعار بقوة، وما لا يدركه كثيرون أن للإعلانات قوة وتأثيرا لا يضاهى، إن كانت مدروسة وتعبّر عن قيم راسخة، وأنها تؤدي نتيجة عكسية وسلبية إن استجاب الناس لها، ليكتشفوا لاحقاً أن الإعلان كان أفضل من المنتج، وهذا ما حصل معي بعد زيارة لأحد معارضهم السابقة. فهل تكون هذه السنة مختلفة؟ نتمنى، المهم أنني وتحت هذا الإلحاح الإعلاني، قررت أن أضع قائمة بما أفخر به كمواطنة، فإليك يا قارئي هذا فِخاري:
● أفتخر بأن قاتل الميموني مازال مجهولاً، رغم الدستور والقانون والديمقراطية، وأفتخر أن إمارة الشارقة بلا دستور وبلا ديمقراطية - يا للمفارقة - قبضت على ابن الأسرة المتهم بقتل الطالب الكويتي .
● أفتخر أننا، ورغم تزايد أعداد السكان، فإن مستشفياتنا لم تزد واحداً قط منذ منتصف الثمانينات وأننا ما زلنا بجامعة حكومية واحدة من شدة فرادتها لا تكاد تجد لك مقعداً فيها.
● أفتخر أن الكويت التي يتشدق الخطاب الرسمي فيها بخصوصيته المتسامحة وحرية التعبير التي يتيحها، صنفت الأولى عالمياً في ملاحقة المغردين، كما أعلنت الشبكة العربية لحقوق الإنسان.
● أفتخر بأن محكمتنا الدستورية شهيرة جداً على مستوى العالم، لدرجة أن الفورن بوليسي وضعتها في قائمة أكثر المحاكم الدستورية تسييساً، وأفتخر - بلا ريب - بأن هذه الشهيرة عصية ومحرمة على المواطنين، فلا يحق لهم الاختصام إليها.
● أفتخر بوجود ما يتجاوز المائة ألف إنسان بلا جنسية وبلا حقوق وبلا ميلاد وبلا زواج وبلا موت حتى.. تخيلوا حتى الموت ممنوع عن هؤلاء، نعم أفتخر.
● أفتخر بقانون الجنسية الذي يقسم المواطنين ألوانا وأنواع اودرجات، فهذا أصلي وذاك تقليد، وهذا مجنس وذاك تأسيس .
● أفتخر بأرصفة ذكية لا مثيل لها في العالم تتعرف على المعارضين، فتضربهم وتسحلهم ثم ويا للعبقرية.. تقاضيهم لجنايتهم عليها.. فهل تلوموني لافتخاري بها؟
● أفتخر باللصوص والشتامون الذين لا يمسهم الضر أبداً، وبالعنصرية الممنهجة التي تمارس ضد الجاليات بلا أدنى خجل.. وأفتخر طبعاً بالتمييز بين المواطنين.
هذه قائمتي مع كثير من الاختصار، فهاتوا قوائم فِخاركم أيها المواطنون.

الأربعاء، 13 فبراير 2013

الإشتباك الديني المدني

نقاش مع مراقبين عرب للشأن المحلي، سمعت آراء متعددة ومتناقضة، لكن ما لفت نظري هو الرأي القائل بعدم وجود انقسام شعبي حاد في الكويت، وهذا رأي مخالف للواقع.
فخلال الأعوام الثلاثة الماضية فقط، وصل الاحتقان الشعبي إلى مستويات مرتفعة بين مؤيدي الموالاة والمعارضة، حتى بات الكثير منا يحجم عن التصريح بآرائه السياسية.وعلى عكس ما يروَّج له في الإعلام، فإن ضحايا الرأي السياسي غالباً هم المعارضة ومؤيدوها وليس العكس.
وخلال الأعوام الثلاثة الماضية، كنت أستطيع - غالبا - أن أتوقع بسهولة الآراء السياسية لأحدهم، بمجرد معرفة موقع سكنه أو انتمائه الاجتماعي. حقيقة مؤسفة، لكنها كانت واقعا عشناه محلياً، ويبدو أن المراقبين العرب للشأن المحلي غير قادرين على إدراكه.
أسباب الاحتقان عديدة، ولن أخوض فيها بالتفصيل، فقط أقول إن أحدها كان دفع السلطة وأبواقها بهذا الاتجاه، لإفشال الحراك الشعبي، ووأده في المهد، لكنهم فشلوا، لأسباب تحتاج إلى مساحة منفصلة لشرحها. أما هذه المساحة، فهي للحديث عن ماهية الاشتباك، هل هو اشتباك قبلي -حضري، أم مدني - ديني؟ أم هو اشتباك اقتصادي؟
قد يقفز كثير منا للجواب الأسهل، بكون الاشتباك قبلي - حضري ، لكنها إجابة غير دقيقة، فالمشهد المحلي أكثر تعقيدا.
في الكويت، هناك تداخل بين ما هو ديني وما هو قبلي، ولا يعني هذا عدم وجود الديني عند الحاضرة، لكنها الصورة العامة، بالإضافة إلى أن القبلي غير المؤدلج يميل للديني، بسبب طبيعته الأكثر محافظة في العصر الحديث، وكذلك هناك تداخل بين ما هو مدني وما هو حضري، ولا ينفي هذا وجود المدني في القبائل، لكنها الصورة العامة كذلك، فالحاضرة في العصر الحديث باتت أقل محافظة من القبائل وأكثر انفتاحاً.
وفي ظل هذا التداخل، يصبح الفرز والتصنيف أصعب، ويحصل الاشتباك على مستويات عدة في الحالة الواحدة، فلا يستطيع المراقب من بعيد تفكيك المشهد ورده لعناصره الأولية.
إن الاشتباك بين المدني والديني في جميع دول الربيع العربي حالياً يمثل جرس إنذار، بأن المرحلة المقبلة محلياً ستكون صراعاً من هذا النوع، ولعله حاصل اليوم في الكويت، لكنه مغطى بطبقات من الصراع الاجتماعي والاقتصادي.
وقياساً على الرأي القائل بأن الصراع الديني - المدني يعيق التقدم الديمقراطي في دول الربيع العربي، فإننا نستطيع القول بأن الاشتباك القبلي - الحضري في الكويت يعيق الحراك الشعبي والتقدم نحو ديمقراطية أكثر رسوخا.

الأربعاء، 6 فبراير 2013

موسم الإعتقالات

خلال شهر يناير الماضي صدر حكمين بالسجن لمدة سنتين ضد الناشطين راشد العنزي وعياد الحربي لتهم تتعلق بحرية التعبير وإن حاول البعض الإدعاء بغير ذلك، وبحلول شهر فبراير الحالي صدر حكم ثالث بالسجن خمس سنوات ضد الناشط محمد العجمي لذات السبب، ويتوقع أن يتلقى عدة نشطاء ذات المصير خلال الأشهر القادمة.

الملفت للنظر أن الثلاثة المحكومين بالسجن، حوكموا لتغريدات كتبوها في موقع التواصل الإجتماعي تويتر وهو حال أغلب النشطاء الذين يحاكموا أو يتم التحقيق معهم حالياً، في مؤشر على ضيق السلطة من هذه الوسيلة الجديدة و البعيدة عن سيطرتها، فقد وفر تويتر منصة للمواطن المغيب عن الإعلام للتعبير عن رأيه وهذا ما لم تعتده السلطة ،كما يمتاز موقع ( تويتر ) عن بقية مواقع التواصل الإجتماعي بانحيازه التام لمستخدميه ضد محاولات انتهاك الخصوصية أو الحجب الذي تتساهل فيه مواقع أخرى مما زاد من شعبيته والإقبال عليه في كافة أنحاء العالم.

بعيداً عن الشبكة العنكبوتية، يبدو المشهد  في الكويت قاتماً أكثر من أي وقت مضى ، فها هي الأحكام تحصد الناشطين الشباب واحداً تلو الآخر، فماذا نحن فاعلين؟ وكيف نستفيد مما يحصل على صعوبته؟

إن ما يحصل اليوم يكشف عن ثغرات قانونية لابد من التصدي لها بالتشريع ، ويكشف عن ممارسات تعسغيه لابد من التصدي لها بالرقابة والعقاب. فمن الغير المعقول أن يتحول الحجز على ذمة التحقيق لعقوبة مبكرة تستعمل ضد المعارضين من النشطاء، ومن غير المقبول أن يعتقل الإنسان دون توجيه تهمة ، ولا يجوز بأي حال من الأحوال اختطاف الناس من الشوارع ولا التعدي اللفظي والجسدي عليهم، كما أن  الحرمان من النوم أو الضرب أو التعدي اللفطي والشتم أو وضع المعتقلين في أماكن تهدد حياتهم كلها ممارسات تصنف كـ تعذيب وهو ما يستوجب موقفاً قوياً لوقفه والتصدي له.

إن موسم الإعتقالات المزدهر في هذه الأيام يجب أن يستفاد منه بحيث يتم غربلة القوانين الخاصة بالحجز والإعتقال وحقوق المعتقلين وسن تشريعات جديدة في حال عدم وجودها، كما يجب وضع أقسام الشرطة تحت المراقبة الدائمة لمنع ارتكابهم لأي انتهاكات لحقوق المتهمين أياً كانت الجريمة.

إن مشهد رجل الشرطة الأمريكي الذي يتلو  التهم على المتهم في لحظة القبض عليه وإعلامه بأن كل ما سيقوله سيستعمل ضده في المحاكمه، مشهد عظيم وما كان الا بعد عذابات كبيرة وبعد فرضه بقوة القانون، فهل سنرى مشهد مماثل عندنا قريباً؟

رابط المقال

الأربعاء، 30 يناير 2013

«الأبارتهايد» الكويتي

«أبارتهايد»، كما تشير المصادر، هي كلمة من اللغة الأفريكانية السائدة في أماكن متفرّقة من أفريقيا، وتعني «فصل»، وهي تستعمل للإشارة لسياسات الفصل العنصري التي كانت قائمة حتى تسعينات القرن الماضي في جمهورية جنوب أفريقيا.
«الأبارتهايد»، هذه الكلمة التي خرجت من جمهورية جنوب أفريقيا، لتفرض نفسها في كل لغات العالم، كانت نتاج صراع سكانها المرير مع العنصرية، التي كانت تنفذ باسم القانون، حيث يتم فصل السكان عرقياً في مناطق مختلفة، وتختلف الحقوق باختلاف العرق والمنطقة في سياسة تهدف في جوهرها للمحافطة على نفوذ الرجل الأبيض وسلطته، فيما كان في يوم من الأيام مستعمرة بريطانية.
اليوم، وبعد إسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، من خلال نضال السكان، والدعم العالمي، من خلال المقاطعة والعزل اللذين واجههما النظام الجنوب الأفريقي، فإن الكيان الصهيوني يكمل ذلك الإرث ويحافظ على استمراريته، ولا عجب، فالكيانان إرث الاستعمار البريطاني ذاته.
تجدر الإشارة هنا لحركة bds التي تعمل في مختلف دول العالم لتعرية سياسات الفصل العنصري الصهيونية، وتشكيل شبكات ضغط عالمية لإيقافها ونزع الشرعية عن منفذيها، وهو ما يشكل كابوسا مرعبا للصهاينة.
تلك كانت مقدّمة لا بد منها، للحديث عن سياسات «الأبارتهايد» التي تتم في الكويت، وهي تهمة وجهتها منظمة هيومن رايتس ووتش صراحة للحكومة الكويتية، ونزعم أن لها ما يثبتها من الواقع، فالاقتراح الذي قدّمه نائب حالي بأولوية الكويتيين بالعلاج في المستشفيات على حساب الجنسيات الأخرى، يمثل حلقة في سلسلة الفصل العنصري في الكويت، ولا أستبعد إقراره، وهو وإن كان مقترحاً نيابياً صرفاً، فإن للحكومة نصيبها من القوانين العنصرية.
فقد طرحت الحكومة العام الماضي مشروع بناء مستشفيات خاصة بمن تسميهم وافدين، وأختار أنا أن أسميهم جاليات، وشرعت هذا العام بتنفيذ نظام البطاقات الملونة لعديمي الجنسية الذي يمثل مرحلة متقدّمة من العنصرية ضد هذه الفئة من جهة، وتمييز بين أفرادها من جهة أخرى، ولا ننسى الفضيحة التي فجرتها برقية ويكيليكس المؤرخة في السادس والعشرين من يناير من العام 2004، والتي تتحدَّث عن وجود درجتين من المواطنين، في ما يتعلق بالمستوى المقدّم من الرعاية الصحية، كما تحدثت عن سوء الرعاية الصحية المقدمة لغير المواطنين، والذين تقدم لهم أدوية أفضل بقليل من الطباشير، كما جاء في البرقية. بالإضافة للتمييز الممارس ضد بعض المواطنين ذوي اللحن المختلف والشكل المختلف والرأي المختلف من قِبل من يفترض فيهم الحياد بين جميع مكونات المواطنين.

العنصرية داء فتاك يبدأ صغيراً فيكره صاحبه جنسية ما مثلاً، ويمارس التمييز ضدها، ثم يتصاعد، فيكره عرقا بأكمله، ثم يتعاظم، فيكره صاحبه العالم كله، ثم تستمر بالتصاعد والتعاظم حتى تفتك بحاملها في النهاية.
ولعلنا اليوم ندفع ثمن قبولنا بالتمييز ضد الجاليات الأجنبية، ثم تجاهلنا للتمييز ضد عديمي الجنسية، فها هي العنصرية اليوم تطول بعض المواطنين، وغداً ستطرق العنصرية بابك أنت، أيها الصامت أو المصفق أو المدافع عن السلطة وسياساتها العنصرية . فماذا أنت فاعل؟
الصورة من الموقع الرسمي لحركة bds

الأربعاء، 23 يناير 2013

الأصيل والمفتعل في تاريخ الشعوب والدول

في بدايات و لعي بالقراءة قررت شراء المجموعة الكاملة لجبران خليل جبران وبينما كنت أتناقش مع البائع عن أفضل الطبعات المتوفرة جرنا الحديث إلى جبران نفسه الذي كان يحدثني عنه البائع اللبناني بفخر و اعتزاز شديدين و راح يعدد لي مزاياه التي كان أهمها بنظر البائع أن جبران كان ( لبناني حقيقي) واستطرد بعبارات إقصائية لبقية مواطنيه. اشتريت المجموعة و غادرت لكن دهشتي مما قاله البائع لم تغادرني ولم تسعفني حداثة سني آنذاك لاستيعابه.

تذكرت هذا الموقف عندما قرأت مقترحاً قدمه أعضاء في المجلس الحالي بتعديل مواد قانون الانتخاب و تضمينها شرطاً ينص على قصر حق الترشح بمن استوطن أجداده الكويت قبل العام 1920، ثم تابعت المؤتمر الصحفي الذي تحدث فيه أحد مقدمي الإقتراح بلا خجل و بحماس و ثقة منقطعة النظير عن مقترحه العنصري الذي ينسف مفهوم المواطنة الهش أصلاً في بلادنا.

لم يكن الحديث عن الأصيل و الدخيل مفاجئاً بالنسبة لي قياساً على طرح أعضاء المجلس الحالي و تاريخهم ، ولم يكن جديداً أيضاً بل هو يتردد منذ سنوات على مسامعنا في إعلام الموالاة و صحفهم و هو ما كررته منذ أيام شقيقة رئيس الدولة، وهنا تكمن خطورة ما يحصل فقد تحولت هذه الأفكار إلى قناعة راسخة لدى قطاعات لا يستهان بها من المواطنين للأسف و ساهم هذا بترسيخ الإنشطارات الإجتماعية بالإضافة للشروخ بمفهوم المواطنة الذي لم تُؤسس له الدولة تأسيسًا صحيحاً وبل ساهمت بممارساتها على مدى عقود من الزمن بتفكيكه، والمؤسف أكثر هو ما أراه من اتساق هذا الخطاب مع السردية الرسمية للدولة و ما تمثله و ما قامت عليه، فالقارئ للتاريخ بتعمق سيجد بذور العنصرية المزدهرة اليوم منذ بداية النشأة فالمقدمات غالباً ما تحمل مؤشرات عن محتوى المتن و الهامش ومنذ البداية أُريد للبعض أن يكون هامشاً و أن يبقى كذلك.

واليوم و إذ يتحدث البعض عن مواطنين أصلاء و آخرين مزيفين فإنها فرصة لإعادة قراءة التاريخ الحقيقي و ليس المفتعل، و هو ما سيكون مدخلاً مثالياً لتصويب الدفة و الإجابة عن سؤال الأصالة و حسمه نهائياً كخطوة لابد منها للتأسيس لمفهوم المواطنة.

جدير بالذكر أن ما ردده بائع الكتب على مسامعي دفعني لقراءة التاريخ لأكتشفت لاحقاً أن جبران كان سورياً بمقاييس زمنه و في كتاباته كثيراً ما يشير لوطنه (سوريا)، وذلك لأن ولادته كانت سابقة على ولادة الكيان اللبناني، فقد ولد جبران في العام 1883 فيما ولد الكيان اللبناني في العام 1920 ، كذب البائع إذاً و زيف التاريخ ليرضي نوازعه العنصرية، وكثيرون اليوم يفعلون المثل، الفرق أني اليوم أكثر وعياً بحقائق التاريخ،و قد أدركت أن جبران كان أكثر أصالة من الهوية التي حاول البائع إلصاقه بها بحكم أسبقية جبران عليها.
أليست الأسبقية هي الأهم اليوم طبقاً لمعايير و منطق السلطة و أبواقها و أدواتها؟!

رابط المقال

الأربعاء، 16 يناير 2013

البؤساء: جافير ... الميت لا محالة.


يعرض في دور السينما هذه الأيام نسخة غنائية لفيلم البؤساء، المستوحى من واحدة من أعظم روايات القرن التاسع عشر، المعنونة بالاسم ذاته للروائي والشاعر والسياسي فيكتور هوغو، التي يشرّح فيها الظلم الاجتماعي في فرنسا في أعقاب سقوط نابليون بونابارت العام 1815 وحتى العام 1832.

شاهدت نسخا سينمائية مختلفة للرواية وقرأتها مراراً، من دون أن تكون معرفتي المسبقة بأحداثها سبباً للملل أو قاتلة لعامل التشويق، لأن البراعة في رسم شخصيات الرواية ومراقبة نمو تلك الشخصيات المعقدة أحياناً وما تخوضه من صراعات إنسانية،
لا يفقد وهجه أبداً، بل نكتشف في كل مرة جانباً غفلنا عنه، أو لم يسعفنا تحصيلنا من المعرفة أو التجارب لإدراكه حينها، فنتلقفه بسعادة من اطلع على سر مقدس، واليوم، وإذ تختار هوليوود زمن الثورة العربية لتعيد إنتاج «البؤساء»، فإننا لا نملك إلا أن نُسقط الأحداث والشخصيات على واقعنا العربي الذي يشبه بشكل كبير ما يصفه هوغو من ظلم اجتماعي نما وترعرع، بسبب وكنتيجة للظلم السياسي أولاً وأخيراً.

توقفت كثيراً عند «جافير» الشخصية المحورية بالرواية بالمسار الذي تتخذه شخصيته، وبما يمثله من رمزية، فهو القانون، وهو أداة السلطة، وهو السلطة أحياناً.

يبدو جافير منفصلا تماماً عن الواقع، وغير مدرك لما يريده الناس.. في أحد المشاهد يهم بالقبض على امرأة ما، فتتوسل إليه بلا جدوى. لم يكن عدم سماعه لها اختياراً حراً أقدم عليه، بل كان عجزاً منه عن سماع صرخات المظلومين، فهو أصم لا يسمع.. كالقانون والسلطة أحياناً.

وجافير غير مدرك لطبيعة النفس البشرية التي تخطئ وتتوب، لأن الضعف الإنساني أعمق من أن يدركه قانون جامد بلا روح، وهذا ما كان عليه جافير، وهذا ما يمثله.
يمضي جافير حياته في مطاردة من يصنفهم كمجرمين، لا لتصويب مسارهم وتأهيلهم، بل لمعاقبتهم وللانتقام منهم. في الأولى يكون الدافع هو الحب، أما الثانية، فالدافع هو الكراهية لمن يصنفهم كأشرار ينتمون لطبقات اجتماعية دُنيا، فيما هم مجرَّد أناس بتجارب ورؤى مختلفة.

يبدو جافير في بداية الرواية قوياً واثقاً، وفي حين تتصاعد الأحداث، يهتز جافير القوي ويفقد توازنه، عندما يواجه صورته في المرآة الإنسانية
فيموت.. يموت جافير، لأنه كان يحمل أسباب فنائه في داخله طوال حياته، فالتعسف باستعمال القانون والبطش والانفصال عن الواقع.. كلها أمراض قاتلة انقلبت على حاملها وقتلته في النهاية، وهذه هي النهاية الطبيعية لجافير وكل من يتمثله ويشبهه.

رابط المقال

الصورة للممثل راسل كرو الذي يقوم بدور المفتش جافير.
مصدر الصورة : مجلة فوغ

الأربعاء، 9 يناير 2013

و يحدثونك عن القانون !

وإذ تحدثهم عن الظلم، فيحدثونك عن القانون، تشرح لهم واقع الحال، فيمطرونك بتنظيرات لا تصمد دقيقة واحدة على أرض الواقع، ثم يعودون للقانون. تحدثهم عن الانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان، فيبررونه بالقانون أيضاً، ثم تحدثهم عن الحقوق التي تنتزع ولا تعطى، فيحدثونك عن الطعام الذي يأكلون، والسقف الذي يستظلون به، ذلك أنهم يرون المواطنة، بكل ما تستوجبه من حقوق وواجبات، ثمناً يدفع مقابل الطعام والأمن والسكن لا حقاً، هم في أحسن الأحوال مُساكنين على حد تعبير د.محمد الأحمري لا مواطنين.
فما القانون؟ ما الذي يمنحه قدسيته؟ وما الذي يمنحه قوة الردع؟ وكيف نكون دونه ومعه؟ وكيف يكون فوقنا.. ولنا؟ وهل كل قانون جدير بأن يكون قانوناً؟
القانون، هذه القواعد التي يرتضيها الناس حكماً بينهم وشريعة يعيشون بها، وتنظم حياتهم وعلاقتهم بالآخرين وبالدولة، يكتسب قدسيته من عدالته، ومن كونه ملجأ للناس من ظلم الظالمين وبطش المتنفذين، ومن كونه فوق الجميع، حكاماً ومحكومين، لا من كوننا دونه مسحوقين بسطوة من يملكه، ومن كونه لنا لحمايتنا وليس ضدنا، علينا لحماية من يحتكر أدواته.
 ويكتسب القانون قوته الرادعة، بتطبيقه على الجميع، بغض النظر عن ابن وزير أو خفير، كما يكتسب قوته الرادعة من كون العقوبة متناسبة مع حجم الجرم، فلا يعاقب السارق كما يعاقب القاتل مثلاً، بل تكون العقوبة متناسبة مع درجة الجرم المرتكب، وإلا استهتر الناس بالقانون وبمن ينفذه.
يحمل البعض تصوراً حالماً عن القانون، ويكفيه أن تصف نصاً ما بالقانوني ليقدِّسه، بغض النظر عن محتواه، بينما القانون يستمد من معتقدات وقناعات المجتمع، ولا يفرض عليه فرضاً، وإن تناقض القانون مع معتقدات المجتمع وقيم العصر، فإنه لن يصمد وسيتعرض للخرق مرارا.. ذلك أن كثيراً من القوانين تتشكل بالبداية كأعراف اجتماعية، ثم تتحوَّل لقانون، فمن كان يصدِّق أن تجمُّعات صغيرة تعد بالعشرات تعد خرقاً للعرف والقانون معاً من قِبل البعض ستقصي في نهاية المطاف برئيس الوزراء آنذاك في سابقة تاريخية؟! ومن يستطيع أن يتخيَّل أن العبودية والرق كانا عرفاً مقبولاً في يوم من الأيام، وأن التمييز العنصري ضد السود كان قانونياً في الولايات الأميركية، وأن روزا باركس التي رفضت التخلي عن مقعدها لرجل أبيض، فأشعلت شرارة حركة الحقوق المدنية كانت تخرق قانوناً بفعلها هذا، وأن سياسة الفصل العنصري التي استمرت حتى التسعينات في جنوب أفريقيا كانت تتم وفقاً للقانون؟! واسمحوا لي بتذكيركم بأن سلب المرأة حقها السياسي في بلدنا كان قانونياً أيضاً. 
الأمثلة السابقة تقول بوضوحإن القانون يقدَّس بقدر تقديسه للإنسان وقيمته المتعالية على كل القيم، فلم يصمد قانون ينتهك الإنسانية بلا خرق وتجاوز، والتاريخ العالمي يشهد، وبل المحلي كذلك.
في المرة المقبلة التي يحدثونك فيها عن القانون، حدثهم عن شركة الناقلات، وحدثهم عن المرحوم عامر خليف العنزي، ولا تنسَ محمد الميموني، ولا بد أن تعرج إلى قضية راشد العنزي الحُر الوحيد في هذا الوطن، حتى إشعار آخر.
الصورة من الشبكة.

الأربعاء، 2 يناير 2013

حصاد العام و رهان الأنظمة الخاسر

كما العام الذي سبقه، كان العام الماضي عاماً عربياً بامتياز، لم تتوقف فيه موجة التغيير التي اجتاحت العالم العربي، وإن كانت وتيرته أبطأ.فليبيا شهدت أول انتخابات في تاريخها، وفي المغرب عين بن كيران رئيساً للوزراء، بعد تعديلات دستورية استجابة لمطالب الشعب.. أما الحدث الأبرز، فكان انتخاب د.محمد مرسي كأول رئيس مدني منتخب لجمهورية مصر العربية.من جهة أخرى، شهد العام الماضي مقتل السفير الأميركي في ليبيا وتمرير دستور مثير للجدل في مصر، وفي السعودية تظاهرات محدودة العدد في أماكن مختلفة من المملكة، للمطالبة بحل ملف المعتقلين تعسفياً، ولا ننسى المذابح ورغيف الدم في الجمهورية العربية السورية.
أما محلياً، فإن حصادنا هو تراجع في الحريات العامة، واعتقالات على النوايا، واستعمال الحجز التعسفي كعقوبة ضد المعارضين، بالإضافة لاستعمال العنف المفرط ضد المتظاهرين السلميين، فضلاً عن البطاقات الملونة لعديمي الجنسية، ثم توج العام بالتوقيع على اتفاقية أمنية خليجية مجهولة البنود، يُعتقد أنها تهدف لشرعنة كل الانتهاكات لحقوق الإنسان التي تتم يومياً في دول الخليج العربي.
كل ما سبق تم في الكويت تحت عنوان عريض «هو الانقلاب على الدستور»، وأي حديث عن أمور فنية وقانونية غير ذي قيمة، لأنه محاولة لإغراقنا بالتفاصيل للتضليل ليس إلا.
وفي الكويت أيضاً مجلس السلطة أو مجلس الصوت الواحد الخافت لا نكاد نشعر بوجوده، في ظل كل الانتهاكات التي تتم يومياً في الكويت، بل إن أعضاءه ملكيون أكثر من الملك، فنظم البعض منهم مسيرات مضادة لمسيرات المعارضة، وتلفظوا بألفاظ عنصرية ضد أبناء القبائل، ويصرح آخرون محرضين على استعمال العنف ضد مواطنيهم، وآخرون يحرضون وزارة الداخلية على التخلص مما أسموه اختراق المعارضة للوزارة، وهو يقصد الموظفين ذوي التوجهات المعارضة، ناهيكم عن تصريح الجهبذ الذي يفخر بخلو وزارة الإعلام من المقاطعين، ولا أنسى النائب المستجد الذيد اندفع للدفاع عن الاتفاقية الأمنية التي لم يقرأ بنودها.إنه العبث بمستقبل هذا الوطن وأبنائه.. هذا باختصار عنوان عامنا في الكويت، عبث ومكابرة ورهان خاسر من السلطة على أدوات قديمة، وعقلية قديمة في مواجهة الزمن العربي الجديد بقيمه الجديدة .
وفي العام الماضي أيضاً ازداد السؤال حول الديمقراطية إلحاحاً، وتبعه سؤال عن التنمية المفقودة. ويبدو العربي عموماً والكويتي خاصة مخيراً بين الاثنين من قبل أنظمه تبيعه الاستقرار مقابل الحرية، الأمن مقابل الخبز ، حيث تتوهم هذه الأنظمة بقدرتها على تحقيق المعادلة المستحيلة من جهة، وتتوهم أيضاً باستغبائها لمواطنيها الذين لم تعد تنطلي عليهم هذه الأوهام.
مما لا شك فيه أن أنظمة كثيرة تعيش مأزقاً كبيراً، يتمثل في عدم مواكبتها للعصر الحالي، وإنسان العصر الحالي بوعيه الجديد، وأدواته المختلفة، وأنها - أي الأنظمة - إذ تتعامل معهم بالعقلية القديمة وبأدواتها القديمه، فإنها تدخل رهانا خاسرا على المدى البعيد، وإن حققت بعض النجاحات على المستوى القريب، ولعل عامنا الجديد يحمل لنا الكثير من المفاجآت، في ظل التغيير الذي يجتاح عالمنا العربي على موجات متتالية.

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

شرعية الإنسان.. تسبق الكيان


بينما يُعرف المواطن بناءً على طبيعة علاقته بالدولة ومؤسساتها وما توجبه هذه العلاقة من حقوق مدنية وسياسية وواجبات، يُعرف حاملو الجنسية الكويتية أنفسهم بناءً على أفضليتهم على غير حامليها، سواء كانوا من عديمي الجنسية أو من حاملي جنسيات أخرى.. ذلك أن كل ما تتمتع به الكتلة السكانية المعروفة بـ «الكويتيين» هي امتيازات جادت بها يد السلطة، تكرماً وفضلاً، لا حقاً وقانوناً، والفرق كبير بين الحق والامتياز، كما الفرق بين القانون والمكرمة.
فنحن نتعلم مجاناً ونتطبب مجاناً ويسمح لنا بالتنقل والسفر والزواج وتأسيس أسرة واستخراج شهادات الميلاد والوفاة، لأننا نحمل الجنسية، وليس لأننا بشر لهم حقوق، فيما يحرم من كل ما سبق عديمو الجنسية، ويحصل عليها حاملو الجنسيات الأخرى، وفق اشتراطات معينة.
من هنا نبتت الشوفينية الكويتية، وتغذى وهم التفوق، ومن هنا ظهرت عبارات كـ «كيفي كويتي»، ومن هذا المنطلق للأسف، وفي ظل انخفاض مستوى الوعي الحقوقي يتحدد موقف كثير منا من قضايا حقوقية مختلفة، أهمها على الإطلاق هي قضية عديمي الجنسية التي ولدت مع ولادة الدولة الحديثة وتفاقمت لاحقاً، بسبب سياسات التضييق التي بدأت في سنة 1986.
وعلى عكس ما يظنه كثيرون، فإن قضية عديمي الجنسية ليست قضية فريدة وخاصة بالجنة الكويتية، بل هي موجودة في أكثر من 65 بلداً حول العالم، ويقدر تعداد أصحابها بما يتجاوز الستة ملايين طبقاً لمنظمة العفو الدولية، وبما يتجاوز الـ 12 مليوناً طبقاً للمفوضية السامية لحقوق اللاجئين، وعلى اختلاف مسبباتها تتمثل الفرادة الكويتية (والفرادة تسعد الشوفينيين) في هذه النقطة.. في السبب وفي السنوات الأولى لنشأة الدولة الحديثة.
ولعل العودة للمسميات المختلفة التي أطلقتها السلطة على هذه الفئة تعطي مؤشرات على موقفها منهم والخط الذي انتهجته في التعامل معهم، فقد كانوا في السنوات الأولى (أبناء البادية) وفي هذا إقرار بتبعيتهم للدولة، ثم صاروا «بدون جنسية»،ثم ازدادت العدائية، فصاروا «غير كويتيين»، وأخيراً بلغت العدائية ذروتها بتسميتهم بـ «المقيمين بصورة غير قانونية».. وهنا بلغ اللؤم والغباء ذروتهما،فهذا المسمى يجرم المعنيين فيه من ناحية، ويدين من أطلقه عليهم، لتقصيره من ناحية أخرى، فإن كانوا فعلاً مقيمين بصورة غير قانونية (وهذا ما لا نقر به)، فكيف دخلوا البلاد؟ وأين أمن حدودكم وقواتكم؟ وكيف عملوا في مؤسساتكم الحكومية طوال العقود الماضية؟!
إن تكرار هذه المشكلة في عديد من دول العالم له علاقة بنشأة الدول الحديثة مطلع القرن الماضي، وليس ما يتوهمه البعض من طمع في جنتهم، وهو ما يستحق المراجعة والتصحيح، فالإنسان أكثر شرعية وأولوية من أي كيان، فقبل أن تتفاوضوا مع القوى الموجودة آنذاك لتحديد الحدود، كان العربي البدوي موجودا هنا.
وكعادته دوماً متحرراً من كل حد وقيد، كان البدوي يعبر شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، غير عارف أن المكان الذي حطت إبله فيه اليوم سيكون وطناً حصرياً لغيره غداً، وأنه إذ يطارد الربيع اليوم، فإنه سيدفع ثمن هذه المطاردة طرداً من أرضه التي تضرب جذوره في أعماقها.
لا أعرف شعور مشعل عايش الذي احتجز الأسبوع الماضي على الحدود الكويتية - السعودية، لكني أستطيع أن أتخيل ما معنى أن تكون معلقاً بين السماء والأرض، فلا أنت المحلق ولا أنت الواقف على الأرض، مشطوراً بين حدين تحاول جاهداً ألا يتعمق الشرخ، ليصل قلبك، فلا أنت المواطن ولا أنت بالغريب، مفارقة لا تخلو من رمزية تعبر عن واقع الحال ذكرتني بقصة اللاجئ الإيراني مهران كريمي، الذي ظل عالقاً في مطار شارل ديغول لثمانية عشر عاماً متواصلة، لعدم حيازته أوراقا ثبوتية، وقد اقتبس توم هانكس قصته وحولها لفيلم لاحقاً، لكن مشعل ليس لاجئاً وليس بأجنبي واستمرار التمييز الممنهج ضده وأمثاله الذين يتجاوزون التسعين ألفاً غير مقبول، ويجب أن يتوقف حالاً. 
إن شرعية مشعل وأمثاله سابقة على الكيان، والأخير يستمد شرعيته منها لا العكس، لأن الإنسان هو القيمة الأعلى، أو هذا ما يجب أن يكون.جدير بالذكر أن القضية تتقاطع بشروخ ومشاكل تتعلق بمفهوم المواطنة في الكويت عموماً، وبنظرة المواطنين لبعضهم البعض، وبفشل السلطة في تكوين هوية تجمع المواطنين، بل في مساهمتها في تفتيت المواطنة، ما يعقد الوضع أكثر، لكن هذا التعقيد يجب ألا يقف عائقاً أمام الحل، بل أن يكون دافعاً له.
 لن أحلم بسياسي بضمير حي لحل هذه القضية، بل يكفي أن يكون سياسيا ذا رؤية، ليدرك أن كلفة ترك الحال كما هي أعلى بكثير من كلفة الحل الذي يبدو مراً لمن لا يرى في الجنسية إلا امتيازات يحرص على دوامها حصرياً له.كما أننا نراهن على الحراك الشعبي، فقضية كهذه يجب أن تكون في قلبه وعلى سلم أولوياته، وهي كذلك لدى كثير من الناشطين فيه، وأنا أزعم أن استعادة الشعب لزمام المبادرة والمشاركة في الحُكم سيساهم في حلها وإنهاء معاناة أصحابها.

الصور من الشبكة.

الأربعاء، 19 ديسمبر 2012

الحراك الشبابي بين السلطة و المعارضة التقليدية


مشهد المدرعات وقوات الأمن التي أحاطت بمجلس الأمة يوم الأحد الماضي كان غير مسبوق تاريخيا، وخير معبِّر عن واقع الحال. مجلس مرفوض وساقط شعبيا، سلطة ماضية في السير عكس حركة التاريخ وشبان وشابات يتصدون بسلميتهم للسلطة من جهة وللمعارضة التقليدية من جهة أخرى.. مع الفارق بطبيعة صراع الناشطين الشباب مع الطرفين، فالسلطة خصم يحتكر القوة، ويرفض الانخراط في عملية الإصلاح الشامل. أما المعارضة التقليدية، فشريك في التصدِّي للسلطة، تربطهم به علاقة متغيِّرة بين مد وجزر.
الحراك الشبابي والمعارضة التقليدية (تيارات سياسية ونواب) 
على مدى الأعوام الثلاثة الماضية كانت تظهر بوادر خلاف تارة، بسبب تحديد مكان الاعتصام بين ساحتي الإرادة والصفاة، وتارة بالتبرؤ من مسيرات يقوم بها ناشطون شباب عقب تجمُّعات تنظمها حركة نهج، ثم تصاعد الخلاف، بسبب عدم الرضا عن خطاب المعارضة منخفض السقف، ويبدو أنه بلغ ذروته الأسبوع الماضي، بسبب المبيت بين مؤيد ومعارض كليا للفكرة أو معارض جزئية شمول النساء بالمبيت.
 لم تكن هذه الخلافات مجرَّد خلاف على أمور تنظيمية أو شكلية فقط، بل هي تعبِّر عن خلاف جوهري برؤية الطرفين للإصلاح المنشود، فالوعي السياسي للناشطين الشباب يتخطى المعارضة التقليدية بمراحل، ففي حين يطرح الشباب رؤى تتعلق بشكل النظام الديمقراطي والإصلاحات المطلوبة وإشهار الأحزاب، كانت المعارضة التقليدية تحصر الصراع بأشخاص، ومن ثم انقسمت بين رافض ومتردد، ثم أخيرا مؤيد.
يتجدد الناشطون الشباب باستمرار، وهم كتلة عابرة للأيديولوجيا والمذهب وكل أشكال الانتماء، فيما تتورَّط المعارضة التقليدية بخطاب إقصائي أحيانا من بعض المحسوبين عليها، وتقوم على ردود الفعل، وتقدم خطابا استجدائيا أحيانا لا يليق بدولة الحقوق التي نريد، بل بمشيخات القرن الماضي.
يتحدَّث الشباب عن مفاهيم، كالمساواة والعدالة الاجتماعية والحريات الشخصية والعامة والحقوق المدنية واحترام حقوق الإنسان، وهي مفاهيم لم تتردد بالدرجة ذاتها لدى الطرف الآخر، وهو مؤشر ربما على صدام قادم في ما يخص هذه القضايا وتجربة المجلس المبطل ليست عنا ببعيدة.
 كما أن نظرة كلا الطرفين للآخر من أسباب التوتر المسكوت عنه، فبعض المحسوبين على المعارضة التقليدية ينظر للناشطين الشباب كأتباع لا شركاء، فيما يصر الناشطون الشباب على استقلاليتهم.
ولعل سعي الناشطين الشباب لتغيير قواعد لعبة احترفتها المعارضة التقليدية وامتلكت كل أدواتها يفسر بعض التوتر والخلاف.رغم كل هذه الاختلافات والخلافات، فإننا متفائلون بمستقبل الحراك المعارض بطرفيه، ذلك أن الخلاف الذي تعمَّق أخيرا ليس سيئا أبدا، لانه سيساهم بعملية الفرز والغربلة للمعارضة وتقويم مسارها، ولأنه سيرسخ استقلالية الشركاء الحراك الشبابي من جهة، والمعارضة التقليدية من جهة أخرى، بالإضافة إلى انه يفتح حوارا سياسيا نحن بأمسِّ الحاجة له بين مختلف الأطراف المعارضة عن الحقوق والواجبات وتحديد الأهداف والرؤى المستقبلية للحراك المعارض.
الحراك الشبابي والسلطة
 تحدثنا مطولا في مقالات سابقة عن هذا الصراع، لذا فالنقطة الجوهرية بالنسبة لي في هذه المرحلة هي التأكيدأن ما يحصل اليوم ليس أزمة عابرة ولا مجموعة من المؤزمين والانقلابيين، كما يتوهم البعض، وليست القضية مجرَّد مرسوم وانتخابات ومقعد أخضر، فكل هذه القضايا مجرَّد تفاصيل يُراد لنا أن نغرق فيها، وننسى جذر المشكلة.
إن ما يحصل اليوم هو صراع على شكل النظام السياسي، طال وتأجل كثيرا، وآن أوان حسمه، فإما ديمقراطية وإما نقيضها. إن التأخر في حسم هذا الصراع هو ما أعاقنا عن النهوض طوال العقود الماضية، وطالما استمر سيستمر الجمود والتأخر.
وبينما تنتظرون الحسم سترتفع نسب التضخم وتطول مدد انتظار الوظائف ويقل عدد الأسرة المتاحة بالمستشفيات ويصبح امتلاك منزل حلما بعيد المنال، وتمتلئ الزنازين بمعتقلي الرأي والنوايا، فالخيار لكم ان تنتظروا أو ترجحوا الكفة وتحسموا هذا الصراع لمصلحة الديمقراطية، فلا تنمية بلا ديمقراطية، ولا تصدقوا من يببعكم الاستقرار والتنمية بثمن حرياتكم، بل رددوا دائما: لا تنمية بلا ديمقراطية، ولعل المجلس الحالي الموالي تماما سيثبت صحة قولنا هذا.

الأربعاء، 12 ديسمبر 2012

مُـعيقـات المُـواطنـة


في الديمقراطيات الراسخة لا يُصوِّت المواطنين بناءً على الانتماء المذهبي أو القبلي، ولا يترشحون على هذا الأساس أيضاً، فالمواطن الأميركي مثلاً تجاوز الحدود الدينية والعرقية في تصويته، حيث يكون التصويت لخطط وبرامج وأحزاب، لا لدين أو لعرق.. هذا في الديمقراطيات الراسخة، حيث الهوية الجامعة أكثر رسوخاً، فثمة تلازم هنا وثمة علاقة طردية.
إن وجود هوية جامعة شاملة لأبناء الوطن قوامها المواطنة المتساوية أمام القانون، يعد أحد أهم البنى الأساسية لأي دولة في عصرنا، ولا سيما الديمقراطية منها، وهو اختبار فشلت فيه الدولة العربية الحديثة أو دولة ما بعد الاستقلال بنسب متفاوتة، وبات هذا الأمر حقيقة لا جدال فيها.
وبنظرة لواقعنا المحلي، نرى مكامن الخلل بوضوح، حيث تحضر الهويات الفرعية أو هويات ما قبل الدولة مقابل غياب للهوية الجامعة، فالطائفة والقبيلة والأسر ذات النفوذ أضحت انتماءات سياسية يُصوِّت لها وتمثلها مقاعد في البرلمان، وأخيراً أصبحت قبائل بعينها تصنف كأقليات أنصفها مجلس الصوت الواحد، وهنا لا بد من وقفة لتعريف الأقلية بشكل مبسط، فهي مجموعة من الأفراد الذين تربطهم خصائص إثنية أو دينية تختلف عن خصائص غالبية السكانوبناءً عليه، فلا يجوز تصنيف القبائل كأقليات في بحر يماثلها، لغة وديناً، ومن يفعل، يكون إما جاهلا بالمصطلح أو عامدا لإفساد الديمقراطية بمحاصصة شبيهة بما يحدث في لبنان والعراق (نرد هنا حجة مناصري الصوت الواحد عليهم، حيث ساهم في المزيد من التفكيك والتفتيت لمفهوم المواطنة).
إن الانتماء لجسم اجتماعي ذي تاريخ عريق ومتصل بجذور هذه الأرض لا يخل بالمواطنة أبداً، إنما المشكلة تكون باستعمال هذا الجسم، كانتماء سياسي والتعصب له وتحقير ما عداه في ما يُعرف بـ «القبلية»، وهي ليست حصراً على أبناء القبائل، بل تحوَّلت الطائفة في الكويت لانتماء سياسي يُتعصب له في ما يشبه النزعة القبلية أيضاً.
إذاً، لم ننجح بعد في تجاوز حدود القبيلة والمذهب، بسبب انكفاء كل منا داخل حدود هويته الفرعية (القبلية أو الطائفية أو العائلية)، لكن لماذا فشلنا؟ وكيف نجح الأميركيون الذين يحوي مجتمعهم تناقضات كبيرة؟! 
إن الإجابة عن سؤال المواطنة تكمن في العدالة والمساواة أمام القانون، وهذا نقيض ما يحدث اليوم من اعتقالات تعسفية لشباب وأطفال مارسوا حق التظاهر السلمي في منطقتي صباح الناصر والصباحية مثلاً . 
إن شعور المواطنين بالتهميش والظلم واحتكار السلطة في فئة قليلة من المتنفذين والتمييز بين المواطنين أمام القانون والتمييز على أسس جندرية أو دينية.. كلها من معيقات المواطنة التي تؤدي إلى لجوء المواطنين للهويات الفرعية، فتكون القبيلة، وتكون الطائفة، ويُلام هنا من خلق هذه الظروف أكثر ممن استجاب لها.
وكما أن الإجابة عن سؤال المواطنة تكمن في العدالة، فإن الإجابة عن سؤال الديمقراطية المطروح بقوة اليوم في دولنا العربية يتمثل في المواطنة بكل بساطة، فالمصطلحان متلازمان .
إن تحقيق وترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة، حيث الدولة لجميع مواطنيها، بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين، كفيل بتراجع الهويات الفرعية القبلية والطائفية والعائلية لمصلحة هوية جامعة قوامها المواطنة، وبالتالي تخليصنا من ممارسات غير ديمقراطية، كالتي طالعتنا بها الأخبار الأسبوع الماضي من أقليات مزعومة إلى مطالبات بالمحاصصة الطائفية بالتشكيل الحكومي.
إننا لا نزعم أن ترسيخ المواطنة والهوية الجامعة كفيل وحده بتحقيق الديمقراطية، إلا أنها خطوة أساسية مطلوبة في الطريق إلى ديمقراطية حقيقية وراسخة.

الأربعاء، 5 ديسمبر 2012

تحدَّثت الأمة وشُدهت السلطة

كان المشهد يوم الجمعة الماضي تاريخياً وغير مسبوق وفي غاية الوضوح.. عشرات الآلاف من المواطنين يسيرون كتفاً بكتف معبرين عن رفضهم للتدخل القسري في الانتخابات من قِبل السلطة.وفي اليوم التالي كان الاستحقاق الذي اختبرت فيه المقاطعة ومؤيدوها.ثم كانت النتائج التي عرفتموها جميعاً، فقد حدد وزير الإعلام نسبة المشاركة بـ40 في المائة، وحددتها كتلة الأغلبية بـ.7 26 في المائة، فيما حددتها حركة حدم بـ 34 في المائة، وأياً كان المصدر، فالنتيجة واحدة لن تتغيَّر.فقد نجحت المقاطعة وتحدَّثت الأمة، فيما شُدهت السلطة ومُواليها، حتى خرجوا علينا ببدعة جديدة على لسان وزير الإعلام، تعتمد نسبة المشاركة في الانتخابات الماضية كمرجعية لحساب نسبة المقاطعة.هنا يتضح حجم الورطة والإنكار الذي تعيش فيه السلطة ومُوالوها، وهنا أيضاً تتجلَّى أزمتنا في عقلية السلطة التي لا تدري، ولا تريد أن تدري، وعندما أجبرت على مواجهة الواقع، من خلال استحقاقي المسيرة والمقاطعة، غرقت في حالة من الإنكار وعدم التقبُّل لحقيقة الرفض الشعبي والسقوط السياسي لمجلس (السلطة) الحالي، الذي ولد ميتاً وسيوارى الثرى خلال أشهر معدودات.من شاهد المسيرة أو حضرها وتابع ما تلاها من أحداث، لا بد أن يتساءل: ما الذي تغيَّر في المجتمع، لنرى كبار السن على مقاعد متحرَّكة في المسيرة الماضية؟ما الذي تغيَّر في وعي أبناء القبائل، ليتحولوا لوقود للحراك الشبابي، بحكم تفوقهم العددي؟كيف أصبح عدم وصول أي من أبناء القبيلة لمجلس الأمة سبباً للاحتفال وتنظيم المسيرات، كما حصل في الدائرة الرابعة يوم السبت الماضي، وكما حصل في الدائرة الخامسة يوم الأحد الماضي؟ما الذي استجد ليترك الناس راحة منازلهم، ويلجأوا للشارع للاعتصام خلال السنوات الثلاث الماضية؟ما الذي تغيَّر في السنوات الخمس الأخيرة ليتم حل مجلس الأمة فيها بعدد المرات التي تم حله فيها منذ بداية العمل بالدستور في مطلع الستينات؟في محاولة للإجابة، نقول:نعم، استعداء السلطة للقبائل ساهم في تسارع عملية نضجهم السياسي.ونعم كبيرة، الحراك الشبابي المتواصل منذ 2005 القادم بروح جديدة ومختلفة سحب البساط من الحركات السياسية التقليدية فتبعته مرات، واستفادت منه في أخرى، ورفعت سقفها لمجاراته في أحيان كثيرة.ونعم أخرى، فشلت السلطة في اقتناص الفرص التي منحتها لها تيارات بعينها، من خلال حُسن ظن تلك التيارات بالسلطة، ليساهم هذا الفشل في حسم هذه التيارات لموقفها في الانحياز للحراك المعارض.لكن التغيير الأكثر تأثيراً كان في السلطة ذاتها، بحُكم أنها الطرف الأقوى في المعادلة، حيث عاودت نشاطها في تقليم مخالب الديمقراطية المنقوصة، وازداد إصرارها وشراستها في تطويع مجلس الأمة وتحويله لمجلس للسمع والطاعة.ولعل الأيام المقبلة تحمل في جنباتها المزيد من الأجوبة لهذه النقطة بالذات، التي كلما حاولنا الإجابة عنها، وجدنا أنفسنا قد تورَّطنا في مزيد من الأسئلة، عوضاً عن إيحاد تفسيرات.أما بعد، فإن السؤال المستحق اليوم هو ماذا بعد؟ ما الخطوة التالية التي سيتخذها طرفا النزاع، السلطة والمعارضة، بجميع أطيافها الشبابية والكتل النيابية والتيارات السياسية؟أما الأولى، فقد علمتنا التجربة أن نتوقع منها الأسوأ، ومع هذا لن نبخل بالنصح ونقول لا بد من وقفة ومراجعة للخيارات التي اتخذتها وانتهت بها إلى هذه النقطة.وأما الثاني، وأخص هنا الطيف الشبابي من المعارضة، فقد أثبت نفسه مراراً خلال العامين الماضيين واستمرت عملية نضوجه وصعوده معاً، وسيستمر هذا الحراك حتى تحقيق وترسيخ ديمقراطية حقيقية بالتحوُّل للنظام البرلماني الكامل بأحزاب وحكومة منتخبة كهدف نهائي، أما الهدف المرحلي الحالي، فيتمثل في إسقاط هذا المجلس فعلياً، بعد إسقاطه، سياسياً وشعبياً، والدعوة لانتخابات جديدة وفقاً للنظام الانتخابي السابق، على أن يقوم أول مجلس شرعي منتخب بتعديل هذا النظام، بما يضمن العدالة والمساواة لجميع المواطنين، ومن ثم تدشين مرحلة الإصلاح السياسي الشامل.

الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

المقاطعة واجب وطني


بمراجعة التاريخ الكويتي الحديث، نجد أن العامل الخارجي طالما كان مؤثراً في حدوث التغيير (تهديدات عبدالكريم قاسم ورسالة الحكومة البريطانية لعبدالله السالم على العمل لقيام نظام دستوري في الكويت مثالاً*).
ونحن هنا لا نبخس الحراك المحلي آنذاك جهوده، ولا ننفيها، ولكننا نقول إن النجاح كان بفضل توافر عدة عوامل، منها ما هو محلي، ومنها ما هو خارجي.. لذلك، لا يمكن أخذ الانتخابات المقررة بعد 48 ساعة، بمعزل عن سياقها الإقليمي، المتمثل بزمن البوعزيزي وقيمه الجديدة المتمثلة بالحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، كما لا يمكن تجاهل الأحداث السابقة لهذه الانتخابات من حراك محلي بلغ ذروته بإزاحة رئيس الوزراء السابق، وانتخاب مجلس جديد، لتباغتنا السلطة بعدها بتعطيل المجلس، ثم حله، بحكم المحكمة الدستورية.. وأخيراً، وبعد طول مماطلة إصدار مرسوم ضرورة، بتعديل النطام الانتخابي، في غياب مجلس الأمة، ورغم انتفاء الضرورة وفقاً لرأي عدة خبراء دستوريين.
إن الظرف الإقليمي الحالي يمثل فرصة تاريخية لن تعوض لتحقيق المزيد من المكتسبات الديمقراطية لشعبنا.. لذلك، فلا مجال للتراجع أمام سلطة يبدو أنها اختارت المواجهة، وأنها تعول على قدرتها على تخويف الناس بالاعتقالات وبرمي تهم «الانقلاب» على كل من يطالب بالإصلاح.. لذلك، سيكون خيارنا هو الصمود ومقاطعة هذه الانتخابات، وعدم المشاركة في مشهد هزلي لم يعد مضحكاً لأحد بعد اليوم.
إن المشاركة في هذه الانتخابات تكريس لنهج الحكم الفردي، وقبول بانتهاك المادتين 71 و79 من الدستور، وما سيترتب على ذلك من تغيير للممارسة السياسية.إن المشاركة بهذه الانتخابات إعادة إنتاج للصراعات القديمة ذاتها، ولكن بشخوص جديدة ومختلفة، وستنتهي بنا لحائط الصد ذاته، المتمثل في رفض السلطة للديمقراطية.. فهذا هو جوهر الصراع في الكويت، وليس التفاصيل التي تحاول السلطة وأبواقها إشغال الناس بها. 
إن المشاركة في هذه الانتخابات دفاع عن كل ما ارتكبته السلطة من انتهاكات وتعسف واعتقالات.إن المشاركة في هذه الانتخابات دفاع عن الوضع القائم الذي أوصلنا لهذه النتيجة، دفاع عن عملية سياسية مَعيبة يميل فيها الميزان لمصلحة السلطة التي تعيِّن ثلث أعضاء البرلمان، وتمنع إشهار الأحزاب.. لذلك، نقاطع الانتخابات، وندعوكم جميعاً لمقاطعتها.أدرك أن هناك من سيرمينا بالخيانة، لاتخاذنا هذا الخيار، لكني أقول إن المقاطعة في هذه المرحلة واجب وطني، وأدرك كذلك أن قرار المقاطعة ليس قراراً بسيطاً يتخذ باستخفاف، وخصوصاً بالنسبة لي كامرأة حرمت من هذا الحق لسنوات، وحصلت عليه أخيراً، ولكن تعسف السلطة وانتهاكاتها المستمرة لدستور احتفت به منذ أسابيع سهّلا القرار وجعلا منه الخيار الوحيد بالنسبة لي ولكثيرين في هذه المرحلة، فالمقاطعة أداة عصيان مدني فاعلة سبق لها النجاح في الكويت، وباستعمالها، فإننا نعبِّر عن رفضنا للعبث بالنظام الانتخابي والتفرُّد بالسلطة، وعلى اعتبار أن السلطة تحد السلطة، فإن المقاطعة هنا تمثل سلطة شعبية ستحد من السلطة الفعلية، ومن خلالها (أي المقاطعة) سيُسحب الغطاء الشعبي عن المجلس القادم، ويسقط سياسياً، كما حصل في مجالس سابقة، فاضطرت السلطة لحلها.
ولعل المراقب لاستنفار السلطة لكل أدواتها لإفشال المقاطعة، من خلال رسائل على الهواتف النقالة وإعلانات متلفزة وضغوط على شخصيات وسياسيين وأساتذة جامعات، يدل على قلق كبير من نجاح المقاطعة وإقرار بقدرتها على نزع الشرعية «الشعبية» عن المجلس القادم .اصمد يا شعبنا، اصمد واثبت.. وقاطع.